حسن حسني عبد الوهاب
81
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
بالمنصورية أمره ذات يوم بأن يضع له أسطرلابا من الفضة الخالصة ، فاختار النعمان صانعا ماهرا أقعده في أحد أركان خزانة الكتب ، وأجلس معه ابنه محمدا ، فلما تمّ صنع الأسطرلاب على أحسن صفة رفعه إلى المعز فاستحسنه وجازى ابنه محمدا والصانع على عملهما " 1 " . ومما كان يوجد بالخزانة الشريفة - كما كانوا يسمونها - " مقطع من الحرير الأزرق التستري القرمزي غريب الصنعة ، منسوج بالذهب وسائر ألوان الحرير ، كان المعز أمر بعمله في المنصورية ، فيه صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومسالكها ، شبه جغرافية ، وفيه صورة مكة والمدينة مبيّنة للنّاظر ، مكتوب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر وبحر وطريق ، اسمه بالذهب ، أو الفضة أو الحرير وفي آخره ما نصه : " مما أمر بعمله المعز لدين اللّه شوقا إلى حرم اللّه وإشهارا لمعالم رسول اللّه ، في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة " " 2 " . وقس على ذلك ما لم يبلغنا خبره ، مع الملاحظة بأنه إن وجد من أرّخ حوادث الدولة الفاطمية ووصف بالتفصيل ما كانت تشمل قصورهم ومنازلهم بعد انتقالهم إلى مصر ، فإنا لا نعلم إلا قليلا عن أخبار حضارتهم ومظاهر بذخهم في عهدهم بإفريقية ، أما أخبار الدولة الأغلبية فقد بقيت مجهولة الجانب مهضومة الحق ، في حاجة إلى العناية بها عناية خاصّة . فإذا أعوزتنا الرواية عن خزائن الكتب التي ملكها بنو الأغلب فإنا لم نحرم تماما من أنباء الكتب عند الخاصة في العصر الذي نبحث عنه ، وإليك ما تيسّر لنا جمعه في شأنها من غضون تراجم العلماء : هذا أبو الفضل أحمد بن الوزير الأغلبي علي بن حميد التميمي كان ممن تخلى عن المناصب وانقطع للعلم والعناية بجمع الكتب ونسخها وتصحيحها ، قال القاضي عياض : " 3 " .
--> ( 1 ) ابن خلكان ج 2 ص 168 [ 5 : 520 ] . ( 2 ) الخطط للمقريزي ج 1 ص 267 . ( 3 ) المدارك ( مخطوط ) ج 2 ص 17 [ 4 : 407 - 408 ] .